فصل: تفسير الآيات (94- 102):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعلبي



.تفسير الآيات (80- 84):

{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)}
{وَلُوطاً} يعني وأرسلنا لوطاً وقيل معناه: واذكر لوطاً. وهو لوط بن هاران بن تارخ أخي إبراهيم عليه السلام {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} وهم أهل سدوم، وذلك أنّ لوطاً شخص من أرض بابل مع عمّه إبراهيم عليه السلام مؤمناً به مهاجراً معه إلى الشام فنزل إبراهيم عليه السلام فلسطين وأنزل ابن أخيه لوطاً الأردن فأرسل الله إلى أهل سدوم فقال لهم: {أَتَأْتُونَ الفاحشة} يعني إتيان الذكران {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين} قال عمرو بن دينار: ما كان يزني ذكر على ذكر في الدنيا حتّى كان قوم لوط {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال} في أدبارهم {شَهْوَةً مِّن دُونِ النسآء} يعني أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} مشركون تبدّلون الحلال إلى الحرام.
قال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم فعرض لهم إبليس في صورة شيخ قال: إن عضلتم بهم كلهم أنجوتكم منهم فأبوا، فلما ألحّ الناس عليهم فعبدوهم فأصابوا غلماناً صباحاً فأخبثوا وأستحكم فيهم ذلك.
وقال الحسن: كانوا لا ينكحون إلاّ الرجال وقال الكلبي: أوّل مَنْ عمل عمل قوم لوط إبليس الخبيث لأن بلادهم أخصبت فانتجعها أهل البلدان فتمثّل لهم إبليس في صورة شاب ثمّ دعا في دبره فنُكح في دبره ثمّ عتوا بذلك العمل فأكثر فيهم ذلك فعجّت الأرض إلى ربّها فسمعت السماء فعجّت إلى ربّها فسمع العرش فعجّ إلى ربّه فأمر الله السماء أن تحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} إذا قال لهم ذلك {إِلاَّ أَن قالوا} قال بعضهم لبعض {أَخْرِجُوهُمْ} لوطاً وأهل دينه {مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} يتنزّهون ويتحرّجون عن أتيان أدبار الرجال وأدبار النساء {فَأَنجَيْنَاهُ} يعني لوطاً {وَأَهْلَهُ} المؤمنين به، وقيل: وأهله بنتاه: نعوذا وديثا.
{إِلاَّ امرأته} فاعلة فإنّها {كَانَتْ مِنَ الغابرين} يعني الباقين في العذاب وقيل: معناه: كانت من الباقين والمعمّرين قبل الهلاك الذين قد أتى عليهم عمرت دهراً طويلا فهرمت فيمن هرم من الناس. فهلكت مع مَنْ هلك من قوم لوط حين أتاهم العذاب. وإنّما قال: {الغابرين} ولم يقل: الغابرات لأنه أراد أنّها ممّن بقى مع الرجال فلمّا ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قيل: الغابرين. وقيل: له غبر يغبر غبوراً، وغبر إذا بقي. قال الشاعر:
وأبي الذي فتح البلادبسيفه ** فأذلّها لبني أبان الغابر

يعني الباقي.
وقال أبو ذؤيب:
وغبرت بعدهم بعيش ناصب ** وإدخال أنّي لاحق مستتبع

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} يعني حجارة من سجّيل {فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين} وسنذكر القصّة بتمامها في موضعها إن شاء الله.
وروى أبو اليمان بن الحكم بن نافع الحمّصي عن صفوان بن عمر قال: كتب عبد الملك ابن مروان إلى ابن حبيب قاضي حمص سأله كم عقوبة اللوطي فكتب أن عليه أن يُرمى بالحجارة كما رجُم قوم لوط فإن الله تعالى قال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} وقال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} [الحجر: 74] فقبل عبد الملك ذلك منه وأستحسنه.
وروى عكرمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فأقتلوا الفاعل والمفعول به».
وقال محمد بن المنكدر: كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر أنّه وجد رجلا في بعض قوافل العرب يُنكح كما تُنكح المرأة فشاور أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأشهدهم في ذلك عليه، فاجتمع عليهم على أن يُحرقوه فأحرقوه.

.تفسير الآيات (85- 93):

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)}
{وإلى مَدْيَنَ} يعني وأرسلنا إلى بني مدين بن إبراهيم خليل الله وهم أصحاب الأيكة.
وقال قتادة: أرسل مرّتين إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة {أَخَاهُمْ شُعَيْباً} قال قتادة: هو شعيب بن نويب وقال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم، وقال ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكيل بن إسحاق بن مدين بن إبراهيم واسمه بالسريانية يثروب وأُمّه ميكيل بنت لوط وكان شعيب أعمى.
ويقال: إنّه خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكان قومه أهل كفر يكفرون بالله وبخس المكيال والميزان فقال لهم {قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني يجي شعيب {فَأَوْفُواْ} فأتمّوا {الكيل والميزان وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ} ولا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوها إياهم {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} كانت الأرض قبل أن يُبعث إليها شعيباً رسولا يُعمل فيها بالمعاصي ويُستحلّ فيها المحارم ويُسفك فيها الدماء بغير حقّها فذلك فسادها، فلمّا بُعث إليها شعيباً ودعاهم إلى الله صلحت الأرض وكلّ نبيّ بُعث إلى قومه فهو يدعوهم لإصلاحهم الذي ذكرت لكم وأمرتكم به.
{ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} مصدّقين بما أقول {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} يعني في هذا الطريق كقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد} [الفجر: 14].
{تُوعِدُونَ} تُهددون {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} دين الله {مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} زيغاً وذلك أنّهم كانوا يجلسون على الطرق فيُخبرون مَنْ قصد شعيباً ليُؤمن به إنّ شعيباً كذّاب. فلا يفتنّنك عن ذلك وكانوا يتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوّفونهم.
قال السدي وأبو روق: كانوا جبّارين. قال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يقطعون الطريق. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أُسري بي خشبة على الطريق لا يمرّ بها ثوب إلاّ شقّته ولا شيء إلاّ خرقته فقلت ما هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا مثل أقوام من أُمّتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثمّ تلا: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ}».
{واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} فكثّر بينكم {وانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين} يعني آخر قوم لوط {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ} إلى قوله تعالى: {قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ} يعني الروءساء الذين تعالوا عن الإيمان به {لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه وتدعون دينكم.
قال شعيب: {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} لذلك يعني ولو كنّا كارهين لذلك تجبروننا عليه فأُدخلت الف الاستفهام على ولو {قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} نرجع إليها بعد إذ أنقذنا الله منها {إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا} تقول إلاّ أن يكون سبق لنا في علم الله ومشيئته أن نعود فيها فيمضي حينئذ قضاء الله فينا وينفذ حكمه وعلمه علينا {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أحاط علمه بكل شيء فلا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن {عَلَى الله تَوَكَّلْنَا} فيما تتوعدوننا به.
واختلف العلماء في معنى قوله: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وقوله: {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} فقال بعضهم: معناه أو لتدخلن فيها ولن تدخل إلاّ إن يشاء الله ربّنا فيضلنا بعد إذ هدانا.
وسمعت أبا القاسم الحسين بن محمد الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري بها يقول: إنّ عدنا في ملّتكم أي صرنا، لا أن نعود، يكون ابتداء ورجوعاً.
قال أُميّة بن أبي الصلت:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ** شيباً بماء فعادا بعد أبوالا

أي صار الآن اللبن، كأن لم تكن قط بولا.
وسمعت الحسين بن الحبيبي قال: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه: إذ نجّانا الله منها في سابق علمه وعند اللوح والقلم.
وقال بعضهم: كان شعيب ومَنْ آمن معه في بدء أمرهم مستخفين ثمّ أظهروا أمرهم وإنما قال لهم قومهم {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} حسبوا أنّهم على ملّتهم قيل: من هو معه على أصحاب شعيب دون شعيب لأنّهم كانوا كفّاراً ثمّ آمنوا بالخطاب لهم وجواب شعيب عنهم لا عن نفسه، لأن شعيباً لم يكن كافراً قط وإنّما ناوله الخطاب في أصناف مَنْ فارق دينهم إليه.
ورأيت في بعض التفاسير أن الملّة هاهنا الشريعة وكان عليه قبل نبوّته فلمّا نُبّئ فارقهم.
ثمّ دعا شعيب على قومه إذ لمس ما فيهم فقال: {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق} أي اقض.
وقال المؤرخ: افصل.
وقال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق} حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك. أي أقاضيك.
وقال الفراء: أهل عمان يسمّون القاضي الفاتح والفتّاح. وذكر غيره أنّه لغة مهاد. فأنشد لبعضهم:
ألا أبلغ بني عصُم رسولا ** بأنّي عن فتاحتكم غنيّ

أي حكمكم. {وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين} يعني الحاكمين {وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً} وتركتم دينكم {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} قال ابن عباس: مغبونون. قال عطاء: جاهلون. قال الضحاك: فجرة. {فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة} قال الكلبي: الزلزلة.
قال ابن عباس: وغيره من المفسّرين: فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم فأرسل عليهم ريحاً وحرّاً شديداً، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فلم ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر فبعث الله عزّ وجلّ سحابة فيها ريح طيّبة فوجدوا برد الريح بطيبها وظل السحابة فتنادوا عليكم بها فخرجوا إلى البريّة فلمّا اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجرّاد المعلّى وصاروا رماداً وهو عذاب يوم الظلّة، وذلك قوله: {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} ميّتين قال أبو العالية: ديارهم منازلهم، وقال محمد بن مروان: كل شيء في القرآن {دارهم} فهو مرغمهم وكلّ شيء درياهم فهو عساكرهم.
قال ابن إسحاق: بلغني أن رجلاً من أهل مدين يُقال له عمر بن جلهاء لمّا رأى الظلّة فيها الغضب. قال: يا قوم إن شُعيباً مُرسلٌ فذروا عنكم سُميراً أو عمران بن شداد إني أرى غيمة ياقوم طلعت دعو بصوت على صمانة الوادي، فإنّكم إن تروا فيها ضحاة غد إلاّ الرقيم يمشي بين أنجاد وسُميراً وعمران: كاهناهم راعيين، والرقيم كلباً لهما.
قال أبو عبد الله البجلي: أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت: أسماء ملوك وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب. فقالت أخت كلمون تبكيه:
كلمون هدَّ ركني هلكه وسط المحله سيّد القوم أتاه الحتف ناراً وسط ظلة.... جعلت نار عليهم دارهم كالمضمحلة.... {الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} أي لم يعيشوا ولم ينزلوا ولم يقيموا ولم ينعموا، وأصله من قولهم غنيّة بالمكان إذا أقمت به والمغاني المنازل وأحدها مغنى قال لبيد:
وغنيت ستاً قبل مجرى داهس ** لو كان للنفس اللجوج خلود

وقال حاتم:
غنينا زماناً للتصعلك والغنى ** فكلا سقانا بكأسيهما الدهر

{الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين} لا المؤمنون كما زعموا {فتولى} أعرض {عَنْهُمْ} شعيب بن شامخ من أظهرهم حين أتاهم العذاب {وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى} أحزن {على قَوْمٍ كَافِرِينَ} حين يُعذّبون، يقال: آسيتم آسي أسىً. قال الشاعر:
آسيت على زيد ولم أدر ما فعل

والأسى الحزن والأسى الصبر.

.تفسير الآيات (94- 102):

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)}
{وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} فيه اضمار واختصار يعني فكذبّوه {إِلاَّ أَخَذْنَا} عاقبنا {أَهْلَهَا} حين لم يُؤمنوا {بالبأسآء} يعني بالبؤس الشدّة وضيق العيش {والضرآء} تعني أضر وهو الحال. وقيل: المرض والزمناء قال: السدي البأساء يعني الفقر والجوع {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} لكي يتضرعوا فينيبوا ويتوبوا {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة} وهي البأساء والجواب والجوع {الحسنة} يعني النعمة والسعة والرخاء والخصب {حتى عَفَوْاْ} أي كثروا وأثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، قال ابن عباس: {عفوا} يعني جهدوا، وقال ابن زيد: يعني كثروا كما يكثر النبات والريش.
قال قتادة: {حتّى عفوا}: سروا بذلك، وقال مقاتل بن حيان: {عفوا} حتى كثروا وتركوا ولم يستكثروا وأصله من الكثرة.
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى».
وقال الشاعر:
يقول من بعد أُولاك أولات ** أتوا زماناً ليس عندهم بعيد

وقال آخر:
ولكنا نعض السيف منها ** بأسوق عافيات الشحم كوم

{وَّقَالُواْ} من جهلهم وغفلتهم {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء} فنحن مثلنا فقال الله تعالى {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} فجأة عِبرة لمن بعدهم. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بنزول العذاب {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا} يعني وحدوا الله وأطاعوه {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء} يعني المطر {والأرض} يعني النبات، وأصل البركة المواضبة على الشيء تقول: برك فلان على فلان إذا أجابه، وبركات الأرض أي تابعنا عليهم بالمطر والنبات والخصب ورفعنا الحرث والقحط {ولكن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ} فجعلنا لهم العقوبات {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الكفر والمعصية والأعمال الخبيثة.
{أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى} الذين كفروا وكذّبوا {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ} آمنون.
{أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} نهاراً {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} لاهون.
{أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون} ومعني {مكر} استدراج القوم بما أراهم في دنياهم.
قال قتادة: مكر الله استدراجه بطول الصحة وتظاهر النعم، وقال عطيّة: يعني أخذه وعذابه، وحكى الشبلي أنه سئل عن مكر الله فأجاب بقول:
محبتك لا ببعضي بل بكلي ** وإن لم يبقَ حبك لي حراكاً

ومقبح من موالد ليفع ** ل سنتي ويفعله فيحسن

فقال السائل: اسأله عن آية من كتاب الله ويجيبني من الشعر فعلم الشبلي أنه لم يفطن لما قال، فقال: يا هذا [....] إياهم على ما هم فيه.
{أَوَلَمْ يَهْدِ} قرأ أبو عبد الرحمن وقتادة ويعقوب في رواية زيد {نهد} بالنون على التعظيم والباقون بالياء على التفريد {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ} يستخلفون في {الأرض} بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا بسيرتهم [....] ربّهم {أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ} أهلكناهم {بِذُنُوبِهِمْ} بما أهلكنا من قبلهم {وَنَطْبَعُ} نختم {على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} الهدى ولا يقبلون الموعظة {تِلْكَ القرى} هذه القرى التي ذكرت لك وأهلكناهم وهي قرى نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} نخبرك أخبارها {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} بالآيات والعلامات والدلالات {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} اختلف في تأويله.
قال أُبي بن كعب: معناه فما كانوا ليؤمنوا عند مجئ الرسل بما سبق في علم الله أنّهم يكذّبون به يوم أقرّوا له بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم.
وقال ابن عباس والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حتّى أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهاً وأقروا باللسان وأظهروا التكذيب.
وقال مجاهد: معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ورددناهم إلى الدنيا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم كقوله: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28] وقال يمان بن رئاب: هذا معنى أنّ كلّ نبي أخذ قومه بالعذاب ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأُمم الكفار بل كذّبوا كما كذب نظير قوله: {كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} [الذاريات: 52-53].
وقيل: معناه: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} يعني بالمعجزات والعجائب التي سألوهم فما كانوا ليؤمنوا بعد ما رأوا الآيات والعجائب بما كذبوا به من قبل رؤيتهم تلك العجائب نظيره قوله: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} [المائدة: 102] {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون} [الإسراء: 59].
{كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين} الذين كتب عليهم أن لا يؤمنون من قومك {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} يعني وفاء بالعهد، والعهد الوصية {وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} أي ما وجدنا أكثرهم إلاّ فاسقين ناقضين العهد.